ابن عربي
245
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
والحزن لها ، فلما كان من أمر آدم ما كان ، أظهر الحارث ما كان يجد في نفسه منه ، وأبى امتثال أمر خالقه بالسجود لآدم ، واستكبر على آدم بنشأته وافتخر بأصله ، وغاب عن سر قوة الماء الذي جعل اللّه منه كل شيء حي ، ومنه كانت حياة الجان وهم لا يشعرون ، وكان أول من سمي شيطانا ، أي مبعودا من رحمة اللّه ، من الجن الحارث ، فأبلسه اللّه ، أي طرده من رحمته ، ومنه تفرعت الشياطين بأجمعها ، وجعل اللّه سماع الجن للقرآن إذا تلي عليهم أحسن من سماع الإنس ، فلما تلا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة الرحمن ، فما قال في آية منها . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 16 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) إلا قالت الجن : ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ؛ وكيف وفي نعمائك نتقلب ، ثم تلاها بعد ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم على الإنس من أصحابه ، فلم يظهر منهم من القول عند التلاوة ما ظهر من الجن ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : [ إني تلوت هذه السورة على الجن ، فكانوا أحسن استماعا لها منكم ] وذكر الحديث ، كما ذكر تعالى عنهم الإنصات عند سماع القرآن ، فقال تعالى : ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) إلى آخر الآية ، وقال عن الجن : ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ) إلى آخر الآية ، ولا روي عن أحد من الإنس أنه قال مثل هذا القول . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 17 ] رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) - الوجه الأول - لشروق الشمس وغروبها في زمان الصيف والشتاء - الوجه الثاني - « رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ » في ظاهر النشأتين « وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ » في باطن الصورتين . [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 18 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) يا هذان [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 19 إلى 20 ] مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) أي لا يختلط أحدهما بالآخر ، وإن عجز الحس عن الفصل بينهما ، والعقل يقضي أن